الجاحظ

266

المحاسن والأضداد

به يا أمير المؤمنين » ، فنكس رأسه ساعة ، ينكث في الأرض ، ثم رفع رأسه ، وأخذ العود من حجر هذه فوضعه في حجر الأخرى ، ثم قال لها : « غني » ، فغنت : إن يمس حبلك بعد طول تواصل * خلقا ، وأصبح بيتكم مهجورا فلقد أراني والجديد إلى بلى * زمنا بوصلك راضيا مسرورا كنت الهوى وأعزّ من وطئ الحصى * عندي وكنت بذاك منك جديرا فقال : « يا إسحاق لمن الشعر والغناء فيه » ؟ قال : « لا علم لي يا سيدي » ، فرد المسألة على الجارية ، فقالت : « لستي » ، قال : « ومن ستك » ؟ قالت : « علية ، أخت أمير المؤمنين » ، فنكس رأسه ساعة ، ثم وثب وقال لمسرور خادمه : « امض بنا إلى منزل علية » ، فلما وقف بالباب ، قال : « استأذن يا مسرور » ، فخرجت جارية ، فلما رأت الخليفة ، رجعت تبادر تعلم ستها ، فخرجت تستقبله وتفديه فقال : « يا علية هل عندك ما نأكل » ؟ قالت : « نعم يا سيدي » ، قال : « وما نشرب » ؟ قالت : « نعم » ، فدخل وجلس ، فقدمت إليه الطعام ، فأكل حارا ، وباردا ، ورطبا ، ويابسا ، ثم رفع الطعام ، ووضع الشراب والطيب وأنواع الرياحين ، ودعت جواريها وكان عندها ثلاثون جارية يغنين ، فألبستهن أنواع الثياب ، وصفتهن في الأيوان ، وتناول الرشيد الشراب ، فأمر الجواري أن يغنين ، ثم سقى أخته حتى أخذ الشراب منها ، واحمرت وجنتاها ، وفترت أجفانها ، وكانت من أجمل النساء . فضرب الرشيد إلى حجر بعض الجواري في أخذ العود وقال : يا علية بحياتي غني : بني الحبّ على الجور فلو فعلمت أنها داهية ، فبكت ، فصاح الرشيد ، فخرج الجواري وبقي هو وهي ، فدفعها وأخذ وسادة فجعلها على وجهها ، وجلس عليها فاضطربت اضطرابا شديدا ، ثم بردت فنحى الوسادة عنها ، وقد قضت نحبها ، فخرج وقال للخادم : « إذا كان غدا فادخل وعزني » ، وركب متوجها إلى قصره ، فلما كان الغد ، عزاه مسرور فبكى ، فقال :